أبي منصور الماتريدي

461

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ تأويله : أنهم يعرفون أنهم يصلونها بتكذيبهم بها ، وحجبوا عن الله - تعالى - بتكذيبهم بذلك اليوم ، وإلا لو آمنوا وأقروا أن النار حق والبعث حق ، لم يكونوا يصلونها ؛ فيعرفون حتى يقروا « 1 » بذلك بقوله : فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ [ الملك : 11 ] . قوله تعالى : [ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 18 إلى 28 ] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( 21 ) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 22 ) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ ( 23 ) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ( 26 ) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 ) وقوله - عزّ وجل - : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ : ذكر الأبرار هاهنا مقابل الفجار في الأول ، ثم بين الفجار أنهم المكذبون بيوم الدين ، وذلك أول منازل الكفر ، فإذا أريد بالفجار : الكفار ، أريد بالأبرار : الذين آمنوا ؛ فلذلك قيل بأن الأبرار هم المؤمنون . والبر هو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر ، فسمي : بارا ؛ إذا كثر منه [ البر ] « 2 » ، والفاجر : هو الذي يكثر منه فعل الفجور ؛ فجائز أن يكون الوعيد في الذين بلغوا في الفجور غايته ، ويكون حكم من دونهم متروكا ذكره ؛ فيوصل إلى معرفة حكمه بالاستدلال ، ويكون الوعد في الذين أكثروا أفعال البر ، ويكون حكم من دونهم معروفا بغيره من الأدلة . وقوله - عزّ وجل - : يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ : ذكر شهود المقربين في ذكر كتاب الأبرار ، ولم يذكر شهودهم عند ذكر كتاب الفجار ، فجائز أن يكون شهودهم على التعظيم لعمله ، والدعاء له ، وغير ذلك . وقيل « 3 » : المقربون : هم مقربو أهل كل سماء « 4 » . وقوله - تعالى - : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ : البرّ هو الذي يبذل ما سئل عنه ، ويجيب إلى ما دعي إليه ، فإذا أجاب الله - تعالى - فيما دعاه إليه من التوحيد ، ووفى بأوامره ، وانتهى عن مناهيه ، فهو من الأبرار . ثم ما ذكرنا يكون بوجهين :

--> ( 1 ) في ب : يتفرقوا . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) قاله الضحاك أخرجه ابن جرير عنه ( 36664 ) . ( 4 ) في ب : السماء .